برز تداخل لافت في المواقف والتصريحات بين أبوظبي ولندن بشأن الحرب في السودان، عقب سجال غير مباشر حول ما إذا كانت وزيرة الخارجية البريطانية قد نفت اتهامات تسليح أبوظبي لقوات الدعم السريع، في وقت شددت فيه الخارجية البريطانية على ضرورة وقف تدفق السلاح والتحقيق في انتهاكات خطيرة وثّقها تقرير أممي حول الفاشر.

وكان مستشار رئيس الدولة أنور قرقاش قد اعتبر، في تدوينة عبر منصة “إكس”، أن تصريحات وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر خلال مؤتمر ميونيخ للأمن تمثل “تفنيدًا للمزاعم” المتعلقة بتسليح أبوظبي لقوات الدعم السريع في السودان.

واستند قرقاش في قراءته إلى إعلان بريطاني عن مراجعة نحو 2000 رخصة تصدير سلاح، معتبرًا أن هذه المراجعة الفنية تنهي الجدل بشأن استخدام أسلحة بريطانية في النزاع السوداني عبر أطراف مدعومة من الإمارات.

لندن: لا تبرئة… وضرورة لوقف تدفقات السلاح

غير أن بيانًا لاحقًا لوزارة الخارجية البريطانية جاء بصيغة مختلفة، إذ أكدت لندن أن ما خلص إليه تقرير الأمم المتحدة بشأن أحداث الفاشر “مروع حقًا”، مشيرة إلى كشفه عن ممارسات وصفتها بأنها مجاعة منهجية، وتعذيب، وقتل، واغتصاب، واستهداف عرقي متعمد خلال حصار قوات الدعم السريع للمدينة.

ورداً على ما اعتبرته “مزاعم” بشأن تبرئة أبوظبي، شددت الخارجية البريطانية على “الحاجة الماسة لإنهاء تدفقات السلاح إلى السودان”، داعية إلى التحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاك حظر السلاح، الذي اتفقت الدول على ضرورة تمديده وتنفيذه بصرامة.

وأضاف البيان أن العوائق التي تضعها أطراف النزاع أمام بعثة تقصي الحقائق “مخزية وغير مقبولة”، مؤكدة أن الأمم المتحدة بحاجة إلى وصول غير مقيد لضمان المساءلة عن الفظائع والانتهاكات.

كما أعلنت كوبر أنها سترفع استنتاجات التقرير الأممي إلى مجلس الأمن، مؤكدة أن “العالم لا ينبغي أن ينظر بعيدًا”، وأن الوقت حان للاستماع إلى ضحايا النزاع، لا سيما النساء، بدل الاكتفاء بخطابات الأطراف العسكرية.

اتصال بعد ساعات من الجدل

في سياق متصل، أفادت وكالة أنباء الإمارات (وام) بأن وزير الخارجية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان أجرى اتصالًا هاتفيًا مع نظيرته البريطانية إيفيت كوبر، بحثا خلاله العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون والشراكة الاقتصادية، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها تطورات الشرق الأوسط.

وجاء الاتصال بعد ساعات من تصريحات قرقاش التي قرأت مداخلة كوبر في ميونيخ باعتبارها نفيًا واضحًا للاتهامات الموجهة إلى أبوظبي، بينما أظهر السياق الكامل لتصريحات الوزيرة البريطانية أنها نفت تحديدًا استخدام أسلحة بريطانية الصنع بناءً على مراجعة التراخيص، دون أن تقدم دفاعًا سياسيًا مباشرًا عن الدور الإماراتي في السودان.

وخلال المؤتمر، تجنبت كوبر تسمية دول بعينها عند سؤالها عن ممارسة لندن ضغوطًا على حلفائها لوقف الدعم المزعوم لقوات الدعم السريع، مكتفية بالحديث عن “فشل عالمي جماعي” في التعامل مع الأزمة، وأعلنت تخصيص 20 مليون جنيه إسترليني لدعم الناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.

تكشف هذه التطورات عن مشهد دبلوماسي متشابك، حيث سعت أبوظبي إلى إبراز تصريحات بريطانية باعتبارها تبرئة ضمنية من اتهامات التسليح، فيما شددت لندن، في بيان رسمي لاحق، على ضرورة وقف تدفق الأسلحة والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وبين قراءة إماراتية تعتبر المراجعة البريطانية لرخص التصدير حسمًا للجدل، وموقف بريطاني يركز على المحاسبة ووقف تدفقات السلاح دون الخوض في تبرئة سياسية، يبقى ملف حرب السودان أحد أبرز الملفات الشائكة التي يرتبط تغذيتها بسياسية أبوظبي الخارجية المثير للجدل، في ظل تصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.

اقرأ ايضاً 

كيف حوّل أنور قرقاش "النفي التقني" البريطاني إلى "صك براءة" سياسي في السودان؟

عبدالله بن زايد يهاتف وزيرة خارجية بريطانيا بعد اختزال قرقاش لتصريحها بشأن السودان